محمد محمد أبو ليلة

201

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

قال ابن الحصار : " ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي " وقال الكرماني : " ترتيب السور هكذا هو عند اللّه في اللوح المحفوظ ، على هذا الترتيب " « 1 » . ويمكن أن نفيد من حديث تحزيب القرآن أي تقسيمه إلى أحزاب ، الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي أن ترتيب السور والآيات كان توقيفيا « 2 » . ومن مؤكدات ذلك تحدى القرآن للكفار أن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر سور مفتريات ؛ وهذا في حد ذاته يفيد تحديد السور وترتيبها أيضا . ودلل السيوطي على أن ترتيب السور كان توقيفيا بطريقة عقلية قال : " ومما يدل على أنه ( أي القرآن ) توقيفى كون الحواميم رتبت ولاء ، وكذا الطواسين ، ولم ترتب المسبحات ولاء ، وفصل بين طسم الشعراء ، و طسم القصص ب طس مع أنها أقصر منهما ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس ( هي سورة النمل ) عن القصص " ؛ وهذا يعنى أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا براءة والأنفال ، وإليه مال السيوطي « 3 » . وقول الزركشي في البرهان أن ترتيب سور القرآن لم يكن أمرا أوجبه اللّه تعالى بل كان أمرا راجعا إلى اجتهاد الصحابة واختيارهم ، معارض بالأدلة الكثيرة التي قدمناها وهو معارض في الوقت نفسه لروح القرآن وطبيعة نزوله على النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ وأما قول الزركشي في تعليل رأيه هذا ، أن المصحف لم يكتب ( يعنى بهذا الترتيب ) في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم لئلا يفضى ذلك إلى تغييره في كل وقت ، لأن الوحي كان لا يزال ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن قد اكتمل بعد . نقول إن هذا التوجيه يمكن أن يستشهد به على جمع القرآن في كتاب بعينه لا على ترتيب سوره وآياته . وربما ظهر ذلك جليا إذا ذكرنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد عارض جبريل بالقرآن أي قرأه كله عليه مرتين في شهر رمضان من السنة التي توفى فيها صلى اللّه عليه وسلم ؛ ومعنى ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قرأ القرآن كما هو ، وعلمه الصحابة بهذا الترتيب ، الذي بين أيدينا ؛ لكن بعضهم كانوا قد

--> ( 1 ) المصدر نفسه ج 1 ص 174 . ( 2 ) السيوطي الإتقان ج 1 ص 178 ، 179 . ( 3 ) المصدر نفسه ص 171 .